النويري
181
نهاية الأرب في فنون الأدب
منها عز وجل بأتمّ الشرف وأفضل الذكر ، وأوسع علىّ الرزق ، وجعلني راعى خلقه ، وأمينه في بلاده ، والحاكم في أمر عباده ، ليبلوني أأشكرأم أكفر . وأوّل ما ينبغي للمرء أن يتفقّد وينظر من استرعاه اللَّه أمره ، ومن لا غنى به عنه . وقد بلغت لي ابنة أريد إنكاحها والنظر في اختيار من يباعلها ، لعل من يكون بعدى يقتدى فيه بهديى ويتبع فيه أثرى . فإنه [ 1 ] قد يلي هذا الملك بعدى من يغلب عليه الشيطان ويرقيه إلى تعضيل [ 2 ] بناتهم فلا يرون لهم كفؤا ولا نظيرا ، وقد رضيت لها ابن سلَّام القرشىّ ، لدينه وشرفه وفضله ومروءته وأدبه ؛ فقالا له : إن أولى الناس برعاية نعم اللَّه وشكرها وطلب مرضاته فيما اختصّه منها لأنت ؛ فقال لهما معاوية : فاذكرا له ذلك عنى ، وقد كنت جعلت لها في نفسها شورى ، غير أنى أرجو ألَّا تخرج من رأيي إن شاء اللَّه . فخرجا من عنده وأتيا عبد اللَّه بن سلَّام وذكرا له القصة . ثم دخل معاوية على ابنته وقال لها : إذا دخل عليك أبو الدرداء وأبو هريرة فعرضا عليك أمر عبد اللَّه بن سلَّام وحضّاك على المسارعة إلى اتباع رأيي فيه ، فقولي لهما : إنه كفء كريم وقريب حميم ، غير أنّ تحته زينب بنت إسحاق ، وأخاف أن يعرض لي من الغيرة ما يعرض للنساء فأتناول منه ما يسخط اللَّه تعالى فيه فيعذّبنى عليه ، ولست بفاعلة حتى يفارقها . فلما اجتمع أبو هريرة وأبو الدرداء بعبد اللَّه وأعلماه بقول معاوية ، ردّهما اليه يخطبان له منه ، فأتياه ؛ فقال : قد علمتما رضائي به وحرصي عليه ، وكنت قد أعلمتكما الذي جعلت لها في نفسها من الشّورى ، فادخلا عليها واعرضا عليها الذي رأيت لها . فدخلا عليها وأعلماها ؛ فقالت لهما ما قاله معاوية لها . فرجعا إلى ابن سلَّام وأعلماه بما قالته . فلما ظن أنه لا يمنعها منه إلا فراق زينب أشهدهما بطلاقها وأعادهما إلى ابنة معاوية .
--> [ 1 ] عبارة الإمامة والسياسة : « فانى قد تخوّفت أن يدعو من يلي هذا الأمر من بعدى زهو السلطان وسرفه إلى عضل نسائهم . . . الخ » . [ 2 ] تعضيل البنات : حبسهنّ عن الزواج ظلما . وفى الأصل : « إلى تعطيل بناتهم » .